حبيب الله الهاشمي الخوئي
45
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وهذا من العجايب ، ولابن عنين الشاعر في هجو شخص يقال له : ابن سيدة : ما أنت إلَّا كالعقاب فامّه معروفة وله أب مجهول والعقاب تبيض ثلاث بيضات في الغالب ، وتحضنها ثلاثين يوما وما عداها من الجوارح يبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما ، فإذا خرجت فراخ العقاب ألقت واحدا منها لأنّها يثقل عليها طعم الثلاث وذلك لقلَّة صبرها ، والفرخ الَّذي تلقيه يعطف عليه طائر آخر يسمى كاسر العظام ، فيربّيه ، ومن عادة هذا الطائر أن يزقّ كلّ فرخ ضائع . والعقاب إذا صادت شيئا لا تحمله على الفور إلى مكانها ، بل تنقله من موضع إلى موضع ، ولا تقعد إلَّا على الأماكن المرتفعة ، وإذا صادت الأرانب تبدء بصيد الصّغار ثمّ الكبار . ومن عجيب ما ألهمته أنّها إذا اشتكت أكبادها أكلت أكباد الأرانب والثعالب فتبرء ، وهي تأكل الحيّات إلَّا رؤوسها ، والطيور إلَّا قلوبها ، ويدلّ لهذا قول امرء القيس . كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي ومن شأنها أن جناحها لا يزال يخفق قال عمرو بن خرام : لقد نركت عفراء قلبي كأنّه جناح عقاب دائم الخفقان وهي أشدّ الجوارح حرارة ، وأقواها حركة ، وأيبسها مزاجا ، وهي خفيفة الجناح سريعة الطيران ، تتغدى بالعراق وتتعشى باليمن ، وريشها الذي عليها فروتها بالشتاء وحليتها في الصّيف ، ومتى ثقلت عن النهوض وعميت حملتها الفراخ على ظهورها ونقلتها من مكان إلى مكان ، فعند ذلك تلتمس لها عينا صافية بأرض الهند على رأس جبل فتغمسها فيها ثمّ تضعها في شعاع الشمس فيسقط ريشها وينبت لها ريش جديد وتذهب ظلمة بصرها ، ثمّ تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابة كما كانت فسبحان القادر على كلّ شيء الملهم كلّ نفس هداها .